الشنقيطي
307
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يُشْرِكُونَ ( 63 ) [ النمل : 63 ] ، ثمّ قال جلّ وعلا : أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [ النمل : 64 ] ولا شكّ أنّ الجواب كما قبله . فلما تعيّن الاعتراف وبّخهم منكرا عليهم بقوله : أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 64 ) [ النمل : 64 ] ، وقوله : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ [ الروم : 40 ] ولا شكّ أن الجواب الّذي لا جواب لهم غيره هو : لا ! أي ليس من شركائنا من يقدر على أن يفعل شيئا من ذلك المذكور من الخلق والرزق والإماتة والإحياء . فلمّا تعيّن اعترافهم وبّخهم منكرا عليهم بقوله : سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 40 ) [ الروم : 40 ] . والآيات بنحو هذا كثيرة جدا . ولأجل ذلك ذكرنا في غير هذا الموضع : أنّ كلّ الأسئلة المتعلّقة بتوحيد الربوبيّة استفهامات تقرير ، يراد منها أنهم إذا أقّروا رتّب لهم التوبيخ والإنكار على ذلك الإقرار ؛ لأنّ المقرّ بالربوبيّة يلزمه الإقرار بالألوهيّة ضرورة ؛ نحو قوله تعالى : أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ [ إبراهيم : 10 ] ، وقوله : قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا [ الأنعام : 164 ] وإن زعم بعض العلماء أنّ هذا استفهام إنكار ؛ لأنّ استقراء القرآن دلّ على أنّ الاستفهام المتعلّق بالربوبيّة استفهام تقرير وليس استفهام إنكار ، لأنّهم لا ينكرون الربوبيّة ، كما رأيت كثرة الآيات الدالّة عليه . والكلام على أقسام التوحيد ستجده إن شاء اللّه في مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبارك ، بحسب المناسبات في الآيات الّتي نتكلّم على بيانها بآيات أخر . ومن هدي القرآن للّتي هي أقوم - جعله الطلاق بيد الرجل ؛ كما قال تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [ الطلاق : 1 ] الآية ، ونحوها من الآيات ؛ لأنّ النساء مزارع وحقول ، تبذر فيها النّطف كما يبذر الحبّ في الأرض ؛ كما قال تعالى : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [ البقرة : 223 ] . ولا شكّ أنّ الطريق الّتي هي أقوم الطرق : أنّ الزارع لا يرغم على الازدراع في حقل لا يرغب الزراعة فيه لأنّه يراه غير صالح له ، والدليل الحسيّ القاطع على ما جاء به القرآن من أنّ الرجل زارع ، والمرأة مزرعة - أنّ آلة الازدراع مع الرجل ؛ فلو أرادت المرأة أن تجامع الرجل وهو كاره لها ، لا رغبة له فيها لم ينتشر ، ولم يقم ذكره إليها فلا تقدر منه على شيء ، بخلاف الرجل فإنّه قد يرغمها وهي كارهة فتحمل وتلد ؛ كما قال أبو كبير الهذلي : ممّن حملن به وهنّ عواقد * حبك النطاق فشبّ غير مهبل فدلّت الطبيعة والخلقة على أنّه فاعل وأنّها مفعول به ولذا أجمع العقلاء على نسبة الولد له لا لها .